هل سبق واتخذت قرارًا مهمًا في عملك بناءً على شعور داخلي، ثم اكتشفت لاحقًا أنه كان قرارًا متسرعًا؟
غالبًا ما يكون السبب هو ما يُعرف بـالتحيّز التوفّري (Availability Bias)، أحد أكثر الأخطاء الذهنية شيوعًا في عالم الإدارة. ويحدث عندما نعتمد في قراراتنا على المعلومات التي يسهل استدعاؤها في ذاكرتنا
السبب؟
عقولنا مُبرمجة لتختصر الطريق عند اتخاذ القرار، فتمنح وزنًا أكبر لما هو "متاح ذهنيًا" حتى لو لم يكن أكثر دقة.
ماذا يعني هذا في سياق الإدارة؟
دعنا نبدأ من موقف بسيط:
قبل الموعد السنوي لتقييم أعضاء الفريق، يقوم المدير بتقييم أحد الأعضاء تقييمًا سلبيًا لأنه تذكر موقفًا مزعجًا حدث في الشهر الأخير، متجاهلًا الأداء الإيجابي لهذا العضو طوال العام. السبب؟ لأن هذا الموقف هو الأوضح في ذاكرته.
هذا هو التحيّز التوفّري في أنقى صوره: نحن لا نقيم الواقع، بل نقيم صدى الذكريات عنه.
بعض السيناريوهات إدارية واقعية لهذا التحيّز:
الرهبة من التكرار
مدير مشروع يرفض فكرة استخدام أداة خارجية لإدارة المهام، رغم أنها فعّالة وشائعة الاستخدام، فقط لأنه تذكّر أن فريقًا سابقًا واجه مشكلات تقنية معها.
النتيجة؟ ضياع فرصة تحسين الكفاءة بسبب تجربة معزولة لا تعكس النمط العام.
التفضيل غير الواعي
خلال مقابلات التوظيف، يميل مدير إلى قبول المرشحين الذين يشبهون "أفضل موظف سابق" من حيث السيرة الذاتية، أو حتى نبرة الصوت أو الجامعة.
القرار هنا لا يستند إلى مؤشرات الأداء أو الكفاءة، بل إلى صورة ذهنية محببة.
ما الذي يجعل هذا التحيّز خطيرًا في الإدارة؟
لأنه يمنح الأحداث الفردية صفة العمومية، ويجعل المديرين يتصرفون بناءً على مشاعر الخوف أو الأمان الزائف بدلًا من الأدلة.
في بيئة تتطلب قرارات دقيقة وسريعة، مثل الشركات التقنية أو فرق المنتجات، هذا التحيّز يُمكن أن يؤدي إلى:
رفض ابتكارات جديدة.
تأجيل قرارات استراتيجية بسبب "شعور" داخلي.
إضاعة فرص ذهبية في السوق.
سوء تقدير المخاطر الفعلية مقابل الوهمية.
كيف تتغلب على التحيّز التوفّري؟
ليس الهدف هو إلغاء الحدس،بل تدريبه ليصبح أكثر وعيًا. وإليك بعض الأدوات العملية:
١- اطلب الرقم، لا القصة
عندما يخبرك أحدهم أن “هذه الميزة دائمًا تفشل”، اسأله: “كم مرة؟ وأين؟ وكم نسبة الفشل؟” لأن قصص الفشل فردية لا تعني نمطًا.
٢- أعد تأطير المعلومة
بدل أن تقول: “أنا أتذكر أن هذه الشركة فشلت عندما جربت هذه التقنية”، قل: “هل هناك دليل موضوعي على أن هذه التقنية لا تناسب حالتنا؟”
٣- اجمع أكثر من مثال
إذا استدعى عقلك مثالًا واحدًا، درّب نفسك على استدعاء مثالين ناجحين في نفس السياق. اكسر هيمنة الحكاية السلبية.
٤- استخدم تحليل ما قبل القرار (Premortem)
افترض أن القرار الذي تنوي اتخاذه قد فشل بعد ستة أشهر. لماذا؟
هل أحد الأسباب أنكم استندتم إلى انطباع حديث أو تجربة غير موثقة؟ هذه التقنية تساعد على كشف التحيزات قبل فوات الأوان.
٥- استعن بدور "المعارِض البنّاء"
في الاجتماعات، خصص دورًا لشخص يتحدى القرار المقترح من زاوية عقلانية مضادة. هذا الدور يعيد التوازن ويمنع تأثير التحيزات الجماعية.
قد لا ننجو تمامًا من التحيّزات المعرفية، لكننا بالتأكيد نستطيع أن نُبطئ وقعها ونكشف آثارها قبل أن تتسلّل إلى قراراتنا.



