هل توقفت يومًا أمام سؤال بسيط لكنه يحمل في طياته الكثير من التعقيد: لماذا يشعر بعض الفائزين بأن انتصارهم كان نقمة وليس نعمة؟
هنا تبدأ الحكاية مع ملف معرفي اسمه "انحياز لعنة الفائز" أوWinner’s Curse.
هذه الظاهرة ليست مجرد حكاية تروى في قاعات المزادات أو بين رواد شركات الاستثمار، بل هي انعكاس عميق لطبيعة العقل البشري وكيف يمكن للاندفاع والرغبة في الفوز أن توجه قراراتنا إلى مناطق لم نكن نتخيلها أبدًا.
من زوايا علم الإدارة، تتبدى هذه الظاهرة في مواقف يتنافس فيها عدة أطراف للاستحواذ على فرصة أو أصل معين، سواء كانت هذه مزايدة على شركة ناشئة أو مناقصة للبنية التحتية أو حتى شراء قطعة فنية نادرة. في تلك اللحظات المشحونة بالترقب والتوتر، يتصاعد الحماس وترتفع الأسعار بسرعة، حتى يأتي بطل القصة، الفائز، مكتسحًا المنافسين بمبلغ يفوق القيمة الحقيقية لما حصل عليه. هنا يدرك، غالبًا بعد فوات الأوان، أنه دفع أكثر مما يجب، وأن الفوز أحيانًا قد يكون لعنة وليس نعمة.
من أشهر من حذروا من هذا الفخ رجل الاستثمار الأسطوري وارن بافت، الذي قال بوضوح: "نحن لا نشارك في المزادات." لم يكن يقصد الترفع عن المنافسة، بل إدراكه أن المزادات تُحفّز فينا غريزة الفوز أكثر من رغبة الشراء الواعي. لذلك ينصح دائمًا بخصم 20% من القيمة القصوى التي تظنها عادلة قبل دخول أي مزاد، لأن الحماس في مثل هذه اللحظات يُعمينا عن القيمة الحقيقية.
وقد أثبتت تجارب السوق صحة نصيحته مرارًا، إذ أظهرت دراسات أن أغلب المزايدات الرابحة تنتهي بدفع أسعار تفوق القيمة الواقعية للأصل أو السلعة.
في علم النفس الإداري، تُفسَّر هذه الظاهرة بتفاعل ثلاث قوى خفية: الخوف من تفويت الفرصة (FOMO)، المنافسة الاجتماعية، والمبالغة في الثقة بالنفس. حين تتجمع هذه القوى في لحظة واحدة، يتراجع التحليل المنطقي إلى الخلف، ويقودنا الانفعال إلى اتخاذ قرار يبدو ذكيًا في لحظته لكنه مكلف لاحقًا.
كيف نتجنب انحياز لعنة الفائز؟
هنا تقدم الممارسات الإدارية الحديثة مجموعة من الخطوات العملية:
تحديد القيمة الحقيقية للأصل والمعايير الموضوعية قبل دخول أي مزايدة أو صفقة.
مراجعة الشخصية النفسية للفريق أو الفرد المتخذ للقرار، وتعزيز الوعي بمخاطر المبالغة والثقة الزائدة.
التعاون بين أكثر من طرف لتقليل المخاطر والتصرف ضمن إطار معلوماتي أوسع وأكثر شفافية.
تدريب فرق العمل على اتخاذ القرارات تحت الضغط وتحليل السيناريوهات الافتراضية التي تربط بين نتائج الفوز الفعلي وتكلفته الواقعية.
الشركات الناضجة تتعامل مع الفوز كـ قرار مالي مدروس لا كـ لحظة انفعال. فهي تضع حدودًا صارمة للعطاء، وتُخضع كل صفقة لتحليل دقيق قبل توقيعها، وتعتبر الانسحاب في الوقت المناسب نوعًا من الذكاء لا علامة على الضعف.
إن الإدراك الواعي بهذه الظاهرة ومعرفة مكمن الانحياز هو أول خطوة لبناء قدرة على اتخاذ قرارات متزنة وذكية. وهنا يأتي دور العقل الرشيد الذي يتساءل دائمًا قبل أن يخطو "هل أنا فعلاً رابح أم أن مشاعر الانتصار تخفي خسارة قادمة؟" لتكتمل دائرة الفهم، ويصبح قرار الفوز قرارًا محكومًا بالحكمة لا بالنشوة العابرة.



