هل يمكن أن نبني قراراتنا على الماضي بثقة مطلقة؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه أخطر مما نظن. فالعقل البشري، حين يرى الشمس تشرق كل صباح، يطمئن إلى أنها ستشرق غدًا أيضًا. لكن David Hume، الفيلسوف الإنجليزي الجريء، هزّ هذا الاطمئنان كله عندما قال: لا يوجد سبب منطقي يجعل المستقبل يشبه الماضي.
ما هو انحياز الاستقراء Induction؟
هو الميل إلى بناء أحكام عامة أو سياسات شاملة بالاعتماد على عدد محدود من الملاحظات أو التجارب.
يبدو سلوكًا منطقيًا في الظاهر فنحن نتعلم من التجربة لكنه يحمل خطرًا كبيرًا حين يتحول إلى تعميم مفرط.
العقل البشري بطبيعته يبحث عن الأنماط. عندما يرى علاقة متكررة، يفترض أن السبب نفسه سينتج النتيجة نفسها دائمًا، متجاهلًا المتغيرات الخفية أو الظروف الخاصة التي صنعت النجاح الأول.
انحياز الاستقراء يجعل المدير يثق في الماضي أكثر مما ينبغي، ويخلط بين “الخبرة” و”العادة”، وبين “النتيجة المؤقتة” و”القانون الدائم”.
فنحن نرى ما نريد أن نراه، ونستدل على النجاح بما يوافق توقعاتنا، لا بما تؤكده البيانات الكاملة.
كيف يظهر هذا الانحياز في الإدارة؟
خذ مثلًا فريقًا لاحظ ارتفاع الإنتاجية بعد تطبيق نظام عمل عن بُعد. النتيجة مغرية، فيُعمَّم القرار على كل الإدارات. بعد أشهر، تظهر نتائج عكسية: ضعف التواصل، وتشتت الأولويات. السبب؟ تجاهل السياق الذي حدث فيه النجاح الأول وطبيعة الفريق، نوع المشروع، ودافعية الأعضاء.
الاستقراء الجزئي جعل الإدارة ترى "النتيجة" وتغفل "الظروف".
في قطاع التسويق، قد يظن القائد أن إعلانًا نجح بسبب فكرته الإبداعية، بينما السبب الحقيقي هو توقيت النشر أو اهتمام مؤقت بالسوق. لكن لأننا نحب أن نجد سببا واضحا، نميل إلى الاعتقاد بأن “الطريقة نجحت” وسنكررها.
وهكذا يصبح القرار مبنيًا على نمط ظاهري لا على تحليل سببي.
حتى في تقييم الأفراد، يقع المدير في فخ انحياز الاستقراء حين يحكم على أداء موظف من تجربة واحدة مثلا اجتماع ناجح، أو عرض ممتاز ثم يعمم الحكم على أدائه ككل.
كيف نتجنب انحياز الاستقراء؟
الوقاية تبدأ بالاعتراف. فالعقل بطبيعته ميّال إلى التبسيط والبحث عن القواعد السهلة.
لكن يمكن مقاومة هذا الميل بثلاث خطوات عملية:
اختبار الفرضيات في سياقات مختلفة: لا تكتفِ بتجربة واحدة ناجحة، بل كررها في فرق وأزمنة وظروف متنوعة.
الفصل بين الملاحظة والتفسير: لاحظ النتيجة أولًا، ثم ابحث عن الأسباب دون افتراضات مسبقة.
استخدام البيانات الواسعة لا الانطباعات: القرارات الإدارية لا تُبنى على “ما حدث معي”، بل على “ما يتكرر بثبات عبر الحالات”.
في النهاية، لا يعني تجنب انحياز الاستقراء أن نتوقف عن الاستقراء نفسه فهو أداة أساسية للتعلّم بل أن نستخدمه بوعي نقدي، كما يستخدم الطبيب التشخيص لا كيقين بل كاحتمالٍ يُختبر.
المدير الحكيم لا يصدق أن النجاح الأول يكفي لإثبات القاعدة، بل يرى في كل نجاح فرضية تحتاج إلى اختبار جديد.
فالحكمة ليست في تعميم النتيجة، بل في تمييز متى تكون التجربة دليلاً، ومتى تكون مجرد صدفة.



