الرئيسية/خواطر تامر/تحيّز السلطة - Authority Bias
دقيقتان
٢٧ مارس ٢٠٢٦

في اجتماع عمل، يُطرح اقتراح غير مقنع، لكن ما إن يعلّق عليه المدير التنفيذي أو أحد كبار الاستشاريين، حتى يهز الجميع رؤوسهم بالموافقة. لا أحد يناقش، لا أحد يشكّك، فقط صمت ثقيل وإقرار تلقائي. ما الذي يحدث هنا؟ ولماذا نميل لتصديق من نعتبرهم "أصحاب سلطة" دون أن نمنح أنفسنا فرصة التفكير المستقل؟

هذا ما يُعرف في علم النفس المعرفي باسم تحيّز السلطة (Authority Bias)، وهو ميل ذهني يجعلنا نبالغ في تقدير آراء أو أوامر الأشخاص ذوي المناصب العليا أو المظاهر الرسمية. ليس لأنهم دائمًا على صواب، بل لأن عقلنا يرتاح لفكرة أن هناك من "يعرف أفضل".

من أين يأتي هذا التحيّز؟

البشر كائنات اجتماعية بطبعها، وتاريخنا طويل مع الهياكل الهرمية؛ من العشائر إلى الجيوش، ثم إلى المؤسسات الحديثة. في تلك السياقات، كان الامتثال للسلطة يضمن البقاء، ويقلل من الصراع. مع الوقت، أصبح فينا ميل فطري لقبول أوامر "من يبدو خبيرًا"، سواء كان طبيبًا بمعطف أبيض، أو مديرًا بصوت واثق.

في ستينيات القرن الماضي، أجرى العالم "ستانلي ميلغرام" تجربة شهيرة أظهرت أن الناس مستعدون لإيذاء آخرين بالكهرباء فقط لأن "شخصًا بزي علمي" أمرهم بذلك. كانت النتيجة صادمة: أكثر من 60٪ من المشاركين استمروا في تنفيذ الأوامر حتى النهاية، رغم إدراكهم أن ما يفعلونه مؤذٍ. لم يكن ذلك إلا انعكاسًا حيًا لقوة تحيّز السلطة.

في بيئة العمل: طاعة أم شلل تفكير؟

في السياق الإداري، يظهر تحيّز السلطة بطرق أكثر نعومة، لكنها لا تقل خطورة. مثلًا:

عندما تُطبّق استراتيجية لأن “المدير التنفيذي رأى ذلك في مؤتمر”، دون أن تُراجع مدى ملاءمتها لواقع الشركة.

أو حين يُستبعد صوت موظف ميداني لأنه “ليس في منصب قيادي”، رغم امتلاكه بيانات واقعية أفضل من التقارير الرسمية.

أو الأسوأ: عندما يسود الصمت في الاجتماعات خوفًا من "مخالفة الرأي العام" الذي صاغه أحد المسؤولين.

النتيجة؟ ثقافة عمل مغلقة، وقرارات تفتقد للتنوع والنقد، وفِرَق تفقد الدافعية تدريجيًا لأنها لا تشعر أن صوتها مسموع.

السلطة الزائفة - حين نخلط بين المنصب والخبرة

ليس كل من يشغل موقعًا إداريًا يتمتع بالكفاءة التقنية أو الرؤية المناسبة لكل قرار. لكن تحيّز السلطة يجعلنا نساوي بين "المكانة" و"المعرفة"، فيميل الموظفون إلى تجاهل صوت العقل أو الأدلة، فقط لأنهم لا يريدون أن "يبدو مخالفين" أو "يفقدوا رضا الإدارة".

كيف نحمي أنفسنا من هذا التحيّز؟

الوعي هو الخطوة الأولى. على الأفراد أن يتدرّبوا على طرح الأسئلة بدلًا من التسليم التلقائي، وعلى القادة أن يزرعوا ثقافة تسمح بالاختلاف دون أن يُنظر إليه كتهديد. بعض النصائح العملية تشمل:

  • تشجيع فرق العمل على مشاركة آراء مجهولة (Anonymous feedback) في بعض الاجتماعات.

  • فصل تقييم الأفكار عن أصحابها، والتركيز على مضمون المقترحات لا من قالها.

القيادة الحقيقية لا تحتاج إلى طاعة عمياء

القادة المؤثرون لا يستندون فقط إلى مناصبهم، بل إلى قدرتهم على الإقناع، وإشراك الآخرين، واحترام التفكير النقدي. وهم يعرفون أن الأفكار الجيدة قد تأتي من أي مستوى، وأن السلطة يجب أن تكون مسؤولة قبل أن تكون مهيبة.

في النهاية، لا بأس أن نثق بمن يمتلك خبرة حقيقية، لكن علينا أن نتعلّم كيف نميّز بين الاحترام الواعي والانصياع التلقائي.

متى شعرت أن تحيّز السلطة أثّر على قرارك؟ وكيف تعاملت معه؟

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

اشترك في مقالات خواطر تامر

لتصلك مقالات ورؤى جديدة عن القيادة والأجايل أول بأول.