هل سبق لك أن عملت بجد لسنوات، فقط لتكتشف أن كل ما بنيته قد اختفى بقرار لم تكن طرفًا فيه؟
عمرو كان واحدًا من هؤلاء. شاب طموح، لا يتردد في بذل أي جهد كي يصل إلى مقعد القيادة في شركته. كان يحلم بذلك المكتب الزجاجي، بتلك الاجتماعات الخاصة، وباللحظة التي يضيف فيها إلى ملفه الشخصي على LinkedIn لقب “مدير فريق”. وبعد سنوات من الجهد و التعب، تحقق الحلم: اثنا عشر موظفًا تحت إدارته، مكتب خاص، واحتفال صاخب بنجاحه. ولكن، كما يحدث أحيانًا، لم تدم الفرحة طويلًا.
تغيّر المدير التنفيذي فجأة. جاءت رؤية جديدة تهتف بمبادئ “التنظيمات المسطحة” "Flat management"و”الإلغاء التدريجي للوظائف الإدارية”. عمرو تلقى مكالمة قصيرة: منصبك لم يعد موجودًا. وعليكَ إما أن تعود إلى دور مساهم فردي، أو تبحث عن عمل آخر.
هل تبدو القصة مألوفة؟ هل مررتَم أنتم أو أحد معارفكم بلحظة شعرتَ فيها أن كل شيء يمكن أن يُنتزع بلحظة؟
التغيير القيادي: حلقة مفرغة لا تنتهي
في عالم الشركات الكبرى، أصبح تغيّر القيادة أشبه بتقلبات الطقس: روتيني، ومفاجئ، ومحمّل بتغيرات جذرية. كل رئيس جديد يحمل معه شعارًا جديدًا: استراتيجية جديدة، خطط هيكلية جديدة، وحتى ثقافة عمل مختلفة.
في إحدى الشركات، استغرق الأمر سنوات لغرس ثقافة عمل متماسكة وأساليب تنفيذ مدروسة، مناسبة لطبيعة الفريق، وبدأت بالفعل تؤتي ثمارها بنتائج مبهرة. ثم جاء رئيس جديد يحمل قناعة مختلفة، يرى أن تحقيق النتائج أهم من التمسك بالنهج القائم، فأصدر قرارًا غيّر كل شيء بجملة واحدة. هكذا، تُمحى سنوات من الجهد والالتزام كما تُمسح السبورة بضغطة واحدة.
طبعًا، لا أحد ينكر أهمية التطوير والتجديد، ولكن عندما يتحوّل التغيير إلى عادة موسمية، تصبح النتائج عكسية: انخفاض دافع الموظفين، اهتزاز الانتماء، وتراجع الإنتاجية.
الضريبة الخفية: الإنسان أولًا وأخيرًا
دعونا نعود إلى عمرو. ماذا يحدث لطموحه، لحماسه الذي كان يستيقظ به كل صباح؟ عندما يتكرر تغيير القيادات، تترسّخ في وجدان الموظفين مشاعر عدم الأمان، وتضعف علاقتهم بالمكان الذي كان يومًا ما “بيتهم المهني”.
تخيّل أن مديرك المباشر يتغير كل ستة أشهر. من يضع معايير تقييمك؟ من يرسم لك مسارك المهني؟ والأهم، كيف تثق بأن اجتهادك اليوم لن يصبح بلا قيمة غدًا؟
المشكلة ليست في التغيير ذاته. بل في غياب الاتساق، وفي الشعور المتكرر بأن كل شيء عابر ومؤقت.
قيادة حقيقية تفكر أبعد من الأرقام
هنا يأتي دور القيادة الواعية. القائد الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاريع التي أطلقها أو المبادرات التي أعاد هيكلتها، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين الحركة والاستقرار.
عندما تتغير الاستراتيجيات كلما تغير القائد، يصبح السؤال الأهم ليس “متى سنحقق الأهداف؟”، بل “هل ما زال الموظفون يؤمنون بأهداف ورؤية الشركة؟”.
قبل الإقدام على أي تغيير هيكلي، على القائد أن يتساءل:
هل نحن بحاجة فعلية لهذا التغيير، أم أن الدافع مجرد إرضاء الرؤية الجديدة؟
هل وفّرنا للموظفين الأرضية اللازمة للتأقلم، أم تركناهم يتعثرون وحدهم؟
الاستقرار ليس عدو الابتكار. بل هو التربة التي ينمو فيها الإبداع بثبات.
التغيير مسؤولية، لا مغامرة
التغيير سنة الحياة، نعم. لكنه ليس مبررًا لنسيان البشر خلف الأرقام. لا تُقاس نجاحات القادة فقط بما تحقق على الورق، بل بما يظل نابضًا في قلوب من قادوهم.
لا يوجد مشروع ناجح دون أفراد يؤمنون به، ولا توجد رؤية طموحة تتحقق دون من يلتف حولها بإخلاص.
ماذا عنكم؟ هل عشتم يومًا أثر تغيّر القيادة المتكرر؟ وكيف تعاملتم مع ذلك؟ اكتبوا لنا في التعليقات



