الرئيسية/خواطر تامر/عندما يهمس الجسد - درس في الإنصات ولطف الله الخفي
عندما يهمس الجسد - درس في الإنصات ولطف الله الخفي

عندما يهمس الجسد - درس في الإنصات ولطف الله الخفي

دقيقتان
١٦ سبتمبر ٢٠٢٦

كنت أمارس يومي باعتيادية تامة، غارقاً في تدفق المهام والالتزامات كعادتي. جلست قليلاً، وعندما وقفت، باغتني دوار شديد يميل برأسي نحو اليسار. وكعادة الكثيرين منا، لم أعطِ الأمر بالاً؛ فالإجابة الجاهزة حاضرة دائماً لتهدئة النفس: "لعلي لم أنم جيداً البارحة". حاولت الجلوس مجدداً ريثما يهدأ الدوار، لكنه ظل ثابتاً في مكانه.

قررت حينها الاستلقاء لأخذ قسط من الراحة لعل الأمر يزول بالنوم. لكن بمجرد أن وضعت رأسي على الوسادة، تسلل شعور غريب؛ تنميل ملحوظ يزحف في الجانب الأيسر من وجهي. هنا، بدأ القلق يدق أول أجراسه، وقفز إلى خاطري احتمال التهاب "العصب السابع". نهضت سريعاً ووقفت أمام المرآة، حرّكت عضلات وجهي وابتسمت؛ كانت الملامح تتحرك بمرونة طبيعية ولله الحمد، فتنفسّت الصعداء، رغم أن التنميل لم يغادر موضعه.

في الصباح التالي، بدت الأمور أخف وطأة، فتجاهلت بقايا التنميل وواصلت يوم عملي. لكن في تمام الثانية ظهراً، أرسل الجسد إنذاره الصريح الثاني: بدأ التنميل ذاته يسري في ذراعي اليسرى.

تحول القلق العابر إلى خوف حقيقي. اتصلت بصديق طبيب، وبمجرد أن رويت له ما أشعر به، تغيرت نبرته فوراً وشدد بحزم: "عليك بالتوجه إلى الطوارئ فوراً". ورغم جديته، حاولت النفس أن تسوّف مجدداً؛ نظرت إلى ساعتي، كانت الخامسة مساءً، والشعور بالإجهاد يثقل كاهلي، فقلت لزوجتي: "أنا منهك الآن.. سأنتظر حتى يوم السبت". لكن بعد الاتصال على صديقي الطبيب مرة أخرى مع وجود التنميل و تحت إصراره الحاسم قطع عليّ حبل التردد وأجبرني على الذهاب.

في المستشفى كانت المفاجأة؛ نظر إليّ الطبيب بعد الفحص الأولي وقال بوضوح: "هذه مبدئياً أعراض جلطة في المخ.. كان يفترض بك الحضور منذ اللحظة الأولى التي شعرت فيها بالأعراض بالأمس". تقرر حجزي فوراً ووضعي تحت الملاحظة الدقيقة لمدة 48 ساعة، تخللتها فحوصات متواصلة وأشعة وتحاليل دقيقة، أكدت جميعها بعد يومين التشخيص ذاته. لكن الكلمة التي ملأت روحي بالسكينة كانت: "بلطف الله". كانت جلطة عابرة ولحظية، غادرت دون أن تترك خلفها أي أثر وظيفي بفضل الله وكرمه.

سؤال الأثر وما وراء اللحظة

خلال تلك الساعات الثماني والأربعين على سرير المستشفى، وأنا محاط بأصوات الأجهزة ومراقبة الأطباء، سكنت ضوضاء الدنيا تماماً، وانفتح في داخلي حوار من نوع آخر:

ماذا لو كانت هذه هي النهاية؟

في لحظة واحدة، تساقطت كل المواعيد، وتلاشت الاجتماعات والمشاريع، ولم يتبقَ إلا السؤال الحقيقي المجرد:

ماذا تركتُ خلفي من أثر؟ وهل ما مضى من العمر يثقل ميزان الحسنات، أم أنهوالعياذ باللهفي ميزان السيئات؟

تلك الدنيا التي نتقاتل عليها، ونحرق أعصابنا وصحتنا في سباقاتها اليومية، قد تنتهي شاشتها وتُسحب الستائر عليها في لحظة خاطفة لا نملك فيها خيار التأجيل إلى "يوم السبت". ندرك فجأة أن كل ما خضناه من صراعات ومكاسب لا يزن شيئاً أمام لحظة لقاء الله، وأن الغفلة عن حقيقة فنائنا هي أكبر فخ نقع فيه.

خرجت من تلك التجربة بدرسين محفورين في القلب:

الأول أخروي؛ أن نراجع ما نزرعه في هذه الأيام المعدودة قبل أن يُغلق الكتاب فجأة.

والثاني دنيوي؛ أن الجسد أمانة، ورسائل تحذيره لا تحتمل التسويف؛ فالأعمال تنتظر لكن صحتك لا تنتظر.

فاللهم أحسن ختامنا، ولا تقبضنا إلا وأنت راضٍ عنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

اشترك في مقالات خواطر تامر

لتصلك مقالات ورؤى جديدة عن القيادة والأجايل أول بأول.