سمعته بوضوح تام. جملة قصيرة من ابني لم أكن مستعداً لها:
"يا أبي، أنت لا تساعدني، أنت تراقبني فقط."
وقفت عند تلك اللحظة طويلاً. ليس لأنها كانت قاسية، بل لأنها كانت دقيقة. كنت أظن أنني أهتم وأتابع وأحرص. لكنه رآني بعيون لم تتعلم بعد أن تُجامل: رآني رقيباً.
المشكلة لم تكن فيه. كانت في النمط الذي أحمله من العمل دون أن أشعر. في تلك العادة التي تتحول فيها المتابعة من أداة إلى هوس، ومن اهتمام إلى تشكيك ضمني في قدرة الآخرين. إدارة التفاصيل في جوهرها رسالة ضمنية واحدة: "أنا لا أثق فيك."
وحين تُرسل هذه الرسالة كل يوم، شيء ما يموت عند من تقوده. ليس فجأة، بل ببطء. تموت الرغبة في المبادرة، ويحل محلها الانتظار الدائم للأوامر. تتراجع الثقة بالنفس، ويحل محلها القلق من الخطأ. وفي نهاية المطاف، يتوقف الإنسان عن التفكير، ويكتفي بالتنفيذ. هذا ليس حرصاً. هذا تعطيل.
يقول الله تعالى مخاطباً النبي ﷺ: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" ﴿آل عمران: ١٥٩﴾. اللين هنا لم يكن خياراً شخصياً، كان شرطاً للتأثير. القلب الغليظ لا يُقرّب، يُفرّق. والمشاورة قبل القرار ليست ترفاً، هي الطريق الذي يجعل الآخرين شركاء لا مُنفّذين.
وفي الحديث: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه). الرعي في لغة العرب لم يكن يوماً مرادفاً للمراقبة. الراعي الحكيم يقود نحو المرعى ويحمي من الذئاب، لكنه لا يختار العشبة التي يأكلها كل خروف. مسؤوليته في النتيجة، لا في التفاصيل.
هذا الفهم هو ما وصل إليه العلم الحديث من مدخل مختلف. منذ سبعينيات القرن الماضي، كرّس عالما النفس الأمريكيان إدوارد ديسي وريتشارد رايان أبحاثهما لفهم ما يحرّك الإنسان من الداخل. توصّلا إلى ما يُعرف بنظرية الدافعية الذاتية، وخلاصتها أن الإنسان حين يُمنح استقلالية حقيقية في طريقة أدائه، يرتفع التزامه ويعمق تعلمه ويزداد إبداعه. وعلى العكس، حين يُراقَب كل تفصيل من تفاصيله، ينتقل دافعه من داخلي إلى خارجي، أي من "أريد" إلى "يجب." والفرق بين الكلمتين فرق حضاري.
بنى دانيال بينك على هذا الأساس في كتابه "Drive" وصاغ ما يراه المحركات الثلاثة للأداء البشري: الاستقلالية في الأداء، والتمكّن المستمر في المهارة، والهدف الذي يتجاوز الذات. يكتب بينك:
"الناس لديهم دافع داخلي فطري نحو التعلم والنمو والمساهمة. المهمة الأولى للقيادة الحقيقية ألا تُطفئ هذا الدافع."
ويُعرّف الاستقلالية بدقة: ليست الفوضى، بل هي حرية اختيار الطريق ضمن إطار واضح. وهنا بالضبط يلتقي العلم مع الحكمة: ضَعِ الإطار، ثم ثِق.
ولعل أبلغ تعبير عن هذا المفهوم ما قاله الفيلسوف الصيني لاو تزي في "تاو تي شينغ":
"القائد الأفضل هو الذي حين يُنجز الناس العمل، يقولون: لقد فعلناه بأنفسنا."
ارفع يدك عن جهاز التحكم. ضع الإطار، وضّح التوقعات، ثم أطلق. الثقة ليست مخاطرة، هي القيادة بمعناها الحقيقي.



