تخيل أنك انضممت للتو لشركة جديدة. في ردهة الاستقبال، لوحة ضخمة مكتوب عليها بخط عريض: "الابتكار، الصدق، التوازن بين العمل والحياة". لكن في يومك الثالث، تلاحظ أن الموظف الذي يغادر الساعة ٥ مساءً يُنظر إليه "بشفقة"، وأن الاجتماع الذي يُفترض أن يكون لعصف ذهني يتحول إلى "مونولوج" طويل للمدير.
في هذه اللحظة، يسقط القناع. أنت لا تقرأ الثقافة من اللوحة الضخمة؛ أنت تتعلمها من "نظرات العيون وصمت الغرف".
١- الثقافة ليست ما نقول، بل ما "نحسه"
الثقافة التنظيمية تشبه جبل الجليد؛ الجزء الظاهر (القيم المعلنة، السياسات، الشعارات) لا يمثل سوى ١٠٪ من الحقيقة. أما الـ ٩٠٪ المتبقية فهي "الثقافة الضمنية": الافتراضات غير المعلنة حول كيفية النجاة والنجاح داخل هذا الكيان.
في كتابه الشهير "Organizational Culture and Leadership"، يوضح إدغار شاين (Edgar Schein)، الأب الروحي لدراسات الثقافة المؤسسية، أن الثقافة هي "نمط من الافتراضات الأساسية التي تعلمتها المجموعة أثناء حل مشكلاتها".
"الثقافة ليست مجرد شعارات، بل هي الطريقة التي يدرك بها الناس واقعهم ويفكرون ويشعرون بها تجاه المشكلات."
٢. الفجوة بين "القيم المتبناة" و"القيم القائمة"
لماذا نفشل غالباً في بناء ثقافة صحية؟ لأننا نخلط بين ما نتمناه (Espoused Values) وبين ما نكافئ عليه فعلياً (Values-in-Use).
يؤكد كريس أرجيريس (Chris Argyris)، أستاذ جامعة هارفارد، في أبحاثه حول "التعلم التنظيمي"، أن البشر يمتلكون "خريطة ذهنية" تختلف تماماً عما يقولونه علناً. الموظف الذكي يراقب سريعاً: هل المكافأة تذهب لمن يبدع أم لمن يوافق المدير؟
٣. القرارات الصغيرة هي "المعمار" الحقيقي
كل قرار يومي هو لبنة في بناء الثقافة. صمتك عن تنمر مدير ناجح تقنياً هو قرار ثقافي. إعطاء "ترقية" للشخص الذي "يتواجد دائماً" بدل الشخص الذي "ينجز بذكاء" هو قرار ثقافي.
في بحثها المنشور في Harvard Business Review بعنوان "The Leader’s Guide to Corporate Culture"، تشير Boris Groysberg وزملاؤها إلى أن الثقافة هي "نظام تحكم اجتماعي" يعمل بالعدوى والتقليد، لا بالأوامر.
"القادة الذين يتجاهلون توافق الثقافة مع الاستراتيجية يجدون أنفسهم يقودون سفينة تسير في اتجاه مختلف تماماً عما رسموه على الخارطة."
الثقافة المؤسسية إن لم تصممها، ستصممك
الثقافة الضمنية قوية لأنها "تلقائية". هي ما يفعله الفريق عندما تواجهون أزمة، أو عندما يخطئ أحدهم خطأً فادحاً. إذا لم تبدأ كقائد بفك شفرة هذه السلوكيات غير المرئية، ستجد نفسك سجيناً لثقافة خلقتها "بالصدفة" أو "بالتغافل".
إذا كانت هذه هي الطريقة التي تُبنى بها الثقافة.. فما هو دور "صمتك" أنت كقائد في تعزيز أسوأ ما في فريقك دون أن تشعر؟
هذا ما سنكتشفه في المقال القادم: صمت القيادة كرسالة ثقافية.



