هل لاحظت يومًا كيف يمكن للقرارات الصغيرة أو الأرقام المتواضعة أن تتحول فجأة إلى نتائج ضخمة يصعب استيعابها؟ هنا يتجلى ما يعرف بـ "انحياز النمو الأسي"Exponential Growth، أو الميل البشري لتبسيط ما هو غير بسيط أصلًا.
النمو الأسي ليس مجرد مفهوم رياضي، بل هو فخ عقلي شائع يقع فيه الأفراد والمدراء على حد سواء، خاصة في بيئة الأعمال والإدارة. بينما يحبذ العقل البشري التفكير بصورة خطية، تأتي بعض الظواهر كالانتشار الفيروسي أو الفوائد المركبة أو نمو المستخدمين لتكسر هذا الترتيب وتفاجئنا بقفزاتها الهائلة. فـ "انحياز النمو الأسي" هو ميلنا المزمن لتقليل تقدير سرعة وتأثير العمليات التي تتضاعف مع الوقت، لا سيما عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات إدارية أو استثمارية مصيرية.
خذ مثلًا قصة الشطرنج الشهيرة: عندما طلب المخترع من الملك مكافأة بسيطة على اختراعه حبة قمح في الخانة الأولى، واثنتين في الثانية، وأربع في الثالثة وهكذا ضحك الملك من تواضع الطلب، ولم يدرك أن الأمر سينتهي باستهلاك كل حبوب القمح في مملكته وأكثر، فقط بوصف نمو أسي لم يمكنه استيعابه.
من المقاربات الإدارية البارزة في هذا السياق قول بيتر دراكر: "ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته" لكن التحدي الحقيقي ليس في القياس ذاته بل في القدرة على التنبؤ بكيفية تضاعف القيم وتأثيرها على المدى البعيد.
هذا الدرس تمثلُه تجربة شركات تقنية كبرى مثل "فيسبوك" و"نتفليكس"؛ فقد تضاعف عدد المستخدمين والعائدات لديهما بمعدلات مذهلة خلال سنوات قليلة بسبب أثر النمو الأسي، في حين فشل منافسون كثر في توقع هذه الطفرة لانحيازهم العقلي نحو النمو البطيء والتدريجي.
لكن كيف يمكننا تجنب الوقوع في فخ هذا الانحياز؟
تبدأ الوقاية بالاعتراف بالفجوة الإدراكية: فالعقل البشري مبرمج بطبيعته على الاستجابة للتغيرات الخطية. لذلك يؤكد خبراء الإدارة على ضرورة تدريب الفرق الإدارية على تمارين تحاكي الواقع الأسي، واستخدام أدوات التنبؤ والنمذجة بشكل دوري لتصحيح التقديرات.
على سبيل المثال، تُنصح الشركات بتحليل بياناتها اعتمادًا على متوسطات متراكمة "مضاعفة" وليس فقط على متوسطات تقليدية، مثل: المبيعات تتضاعف كل ستة شهور لانه يعطي صورة أقرب للواقع وأبعد عن التضليل الذي يُشتت انتباه متخذي القرار.
هناك العديد من المشاريع الريادية تفشل لأن قراراتها تُبنى على توقعات لا تراعي أثر النمو الأسي. النتيجة: إما نفاد الموارد مع طلب مفاجئ (كما حدث لتطبيقات التجارة الإلكترونية في جائحة كورونا)، أو ضياع فرص التوسع عند تجاهل مؤشرات نمو مبكرة.
في المقابل، حينما يدرك القادة هذه الحقيقة ويوظفونها لصالحهم كما فعلت شركات مثل "أمازون" في رهاناتها الأولى على أنماط طلب غير تقليدية تتحول الرؤية من صدمة الأرقام إلى استثمار ذكي يسبق الجميع بخطوات.
حين نتعلم كيف نستوعب النمو الأسي، نصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات رشيدة مبنية على رؤية واقعية وليس على أحلام وردية أو تقديرات قاصرة. أما الطريق إلى هناك، فيبدأ باعترافنا بانحيازنا، ثم بتبني استراتيجيات تحليل وتوقع تأخذ هذا الانحياز في الحسبان، وتجعل من الأرقام الصامتة حكاية عقلانية ذكية تقود المستقبل لا العكس.



